رئيس قسم البحوث بوزارة البيئة د. عبدالله التميمي “البحوث البيئية ركيــزة تحقيق التنمية الخضراء في قطر

في وقت تتزايد فيه التحديات البيئية وتتسارع فيه التحولات المناخية، تبرز الحاجة إلى سياسات تستند إلى المعرفة العلمية وتترجمها إلى برامج ومبادرات قادرة على تحقيق أثر ملموس. وفي هذا السياق، يؤكد د. عبدالله التميمي، رئيس قسم البرامج والبحوث البيئية بإدارة التنمية الخضراء والاستدامة البيئية في وزارة البيئة والتغير المناخي، أن العمل البيئي اليوم لم يعد قائماُ على المعالجة التقليدية أو الجهود النظرية، بل أصبح يرتكز على التخطيط العلمي والبحث الدقيق والشراكة المؤسسية والمجتمعية.
ويوضح د. التميمي أن طبيعة العمل في قسم البرامج والبحوث البيئية تقوم على تصميم وإدارة البرامج التي تدعم الاستدامة البيئية، إلى جانب الإشراف على البحوث العلمية التي تقدم حلولاُ عملية للتحديات البيئية المحلية. ومن هذا المنطلق، يعمل القسم بوصفه حلقة وصل بين المعرفة العلمية والسياسات التنفيذية، بما يضمن تحويل نتائج الدراسات والبحوث إلى أدوات فعلية تدعم القرار البيئي وتخدم توجهات الدولة نحو التنمية الخضراء.
ويرى أن البرامج والبحوث البيئية تؤدي دوراُ محورياُ في تحقيق التنمية الخضراء في دولة قطر، لأنها تسهم في صياغة حلول توازن بين احتياجات الحاضر التنموية وحقوق الأجيال القادمة في الموارد الطبيعية. فالبحث العلمي، بحسب تعبيره، لا يكتفي بوصف المشكلات، بل يوجه التنمية نحو مسارات أكثر توازناُ واستدامة، ويمنح صانع القرار قاعدة دقيقة يمكن البناء عليها في التخطيط والتنفيذ.
وفي ما يتعلق بأبرز القضايا البيئية المطروحة على جدول الأولويات، يشير د. التميمي إلى أن التغير المناخي، والاستدامة البيئية، وحماية الموارد الطبيعية تأتي في مقدمة الملفات التي تركز عليها الخطط والبرامج الحالية، إلى جانب السعي إلى بناء نموذج تنموي أخضر ينسجم مع تطلعات الدولة ويواكب التحولات العالمية في هذا المجال. وهذا التوجه يعكس إدراكاُ متزايداُ بأن حماية البيئة لم تعد شأناُ منفصلاُ عن التنمية، بل أصبحت جزءاُ أصيلاُ من نجاحها واستمراريتها.
ويشدد د. عبدالله التميمي على أن البحث العلمي الدقيق هو الأساس في دعم السياسات والقرارات البيئية، لأنه يوفر البيانات اللازمة لبناء القرار على أسس منهجية واضحة، بدلاُ من الاكتفاء بجهود عامة أو تصورات غير مدعومة بالمعلومة. ويؤكد أن القرارات البيئية الفاعلة لا يمكن أن تنجح إلا إذا استندت إلى قراءة علمية دقيقة للواقع، قادرة على تشخيص المشكلات وتحديد الأولويات واقتراح
الحلول المناسبة.
وفي هذا الإطار، يلفت إلى وجود مشروعات حديثة تركت أثراُ واضحاُ على أرض الواقع، من بينها مشروع المحركات الكهربائية للمحامل التقليدية، ومشروع تدقيق كفاءة الطاقة والمياه في برج الوزارة. ويشير إلى أن هذه المبادرات تقوم على التخطيط العلمي والتكامل بين الجهد البحثي والتنفيذي، وهو ما أسهم في تحسين مؤشرات الاستدامة البيئية، وأعطى نموذجاُ عملياُ لكيفية ترجمة المعرفة إلى أثر ملموس.
كما يؤكد أن نجاح العمل البيئي لا يتحقق في إطار مؤسسي مغلق، بل من خلال التكامل بين الجهات الحكومية والأكاديمية. فالتعاون مع الشركاء الأكاديميين والمؤسسات الحكومية، بحسب قوله، يمثل عنصراُ أساسياُ لضمان تحويل المخرجات البحثية إلى سياسات قابلة للتطبيق على أرض الواقع. وهذا التكامل هو ما يمنح البرامج البيئية فرصاُ أكبر للنجاح، لأنه يربط بين النظرية والتطبيق، وبين المعرفة العلمية ومتطلبات التنفيذ.
وعن أبرز التحديات التي تواجه تنفيذ البرامج البيئية، يرى د. التميمي أن التحدي الأكبر يتمثل في تحويل نتائج البحوث من أوراق علمية إلى ممارسات يومية عملية. فنجاح أي برنامج بيئي لا يعتمد فقط على جودة البحث، بل على قدرة المؤسسات والمجتمع على تبني نتائجه وتحويلها إلى سلوك وسياسات وإجراءات مستمرة. وهذا يتطلب، في نظره، تكاملاُ دائماُ بين البحث والتخطيط والوعي المجتمعي.
وفي ما يتعلق بالتغير المناخي، يوضح أن الوزارة تتعامل معه بوصفه أولوية قصوى ضمن خطط التنمية الخضراء، من خلال دمج استراتيجيات التكيف والتحول نحو التنمية المستدامة في مختلف البرامج والخطط. ويؤكد أن استدامة البيئة في ظل التحديات المتسارعة لا يمكن أن تتحقق إلا إذا جرى التعامل مع المناخ بمنظور استباقي، يوازن بين متطلبات التنمية وضرورات الحماية.
أما التوازن بين التوسع التنموي وحماية البيئة، فيراه د. التميمي ممكناُ من خلال التخطيط العلمي المسبق الذي يوجه النمو الاقتصادي نحو مسارات لا تضر بالموارد الطبيعية. ويصف هذا المسار بمفهوم التنمية المتوازنة، وهي تنمية لا تعرقل البناء والتطوير، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح بأن يكون التقدم على حساب البيئة أو على حساب حقوق الأجيال القادمة.
وفي هذا السياق، يمنح د. التميمي الابتكار والتقنيات الحديثة دوراُ أساسياُ في تعزيز كفاءة البرامج البيئية. فهو يرى أن الابتكار هو المحرك الحقيقي لأي تقدم في هذا المجال، لأن التقنيات الحديثة تتيح رصد البيئة بدقة أكبر، وتساعد في تقديم حلول غير تقليدية لمشكلات التلوث واستنزاف الموارد. ومن هنا، فإن التكنولوجيا ليست مجرد أداة مساعدة، بل عنصراُ رئيسياُ في تطوير العمل البيئي ورفع كفاءته.
ولا يفصل د. عبدالله التميمي بين نجاح الخطط البيئية ودرجة وعي المجتمع بها. فهو يؤكد أن المجتمع هو الشريك الأساسي في إنجاح أي خطة بيئية، لأن الخطط مهما بلغت جودتها ستظل ناقصة الأثر إذا لم تترافق مع وعي مجتمعي وتبنٍ للسلوكيات المستدامة. ويشدد على أن الاستدامة لا تصنعها المؤسسات وحدها، بل تبنيها أيضاُ الممارسات اليومية للأفراد والأسر والمؤسسات المختلفة.
كما يلاحظ د.عبدالله وجود تطور ملموس في الوعي البيئي المجتمعي خلال السنوات الأخيرة، مشيراُ إلى أن هناك اهتماماُ متزايداُ من الأفراد والمؤسسات بقضايا الاستدامة. وهذا التطور، في تقديره، يمثل مؤشراُ إيجابياُ على أن العمل البيئي لم يعد قضية نخبوية أو متخصصة، بل أصبح يحظى بمساحة أوسع من الاهتمام العام.
وفي رسالته إلى الباحثين والطلبة المهتمين بهذا المجال، يوجه د. عبدالله التميمي دعوة واضحة إلى المثابرة وعدم التردد، مؤكداُ أن العمل البيئي لم يعد ترفاُ، بل أصبح ضرورة بقاء. ويدعوهم إلى أن يكون هدفهم دائماُ هو تحقيق الأثر المستدام الذي يحفظ لقطر مواردها وجمالها للأجيال القادمة، لأن قيمة البحث العلمي لا تكمن فقط في إنجازه الأكاديمي، بل في قدرته على خدمة المجتمع وصون البيئة.
في المحصلة، تكشف رؤية د. عبدالله التميمي أن مستقبل التنمية الخضراء في قطر يرتكز على ثلاث ركائز أساسية: البحث العلمي الدقيق، والتخطيط المتوازن، والشراكة المجتمعية. وبين التحديات المناخية والتحولات التنموية، يبدو واضحاُ أن بناء نموذج بيئي أكثر استدامة لم يعد مجرد طموح، بل مساراُ عملياُ تقوده البرامج والبحوث والابتكار، بهدف حماية الموارد الطبيعية وتعزيز جودة الحياة وصون حق الأجيال القادمة في بيئة سليمة ومتوازنة.

مواضيع ذات صلة

اترك تعليق