مالك سدرة الشمال السيد محمد الكعبي نجحنا في تقديم تجربة تجمع بين الترفيه والتعليم والزراعة

في تجربة مزرعة سدرة الشمال تتجسد فكرة أن الزراعة يمكن أن تكون أكثر من مجرد إنتاج، وأن المزرعة يمكن أن تتحول إلى مساحة للحياة والتعلم والارتباط بالطبيعة. فمن خلال الجمع بين الزراعة والسياحة والتعليم، قدمت المزرعة نموذجًا محليًا يعكس كيف يمكن للمشروعات العائلية أن تصنع أثرًا حقيقيًا في المجتمع، وأن تسهم في نشر الوعي البيئي وتعزيز مفهوم الاستدامة بأسلوب عملي وقريب من الناس.
سيد محمد فى البداية نود انا نعرف كيف وُلدت فكرة إنشاء مزرعة سدرة، وما الرؤية التي كنتم تسعون لتحقيقها منذ البداية؟
وُلدت فكرة إنشاء مزرعة سدرة الشمال من رؤية عائلية بسيطة تحولت مع الوقت إلى مشروع متكامل. كانت الفكرة الأساسية أن تكون المزرعة مشروعاً عائلياً يوفر تجربة ترفيهية وتعليمية مختلفة للناس في قطر، سواء للمواطنين أو المقيمين أو السياح. في البداية لم يكن الهدف التجاري هو الأساس، بل كان الهدف أن تكون المزرعة مكاناً يستمتع فيه الناس بالطبيعة ويعيشون تجربة الزراعة والحياة الريفية التي أصبحت نادرة في الحياة الحديثة. كما كنا نطمح إلى أن يساهم المشروع في دعم السياحة المحلية وتقديم نوع جديد من السياحة في قطر، وهي السياحة الزراعية، بحيث يعيش الزائر تجربة قطف المحاصيل بيده والتفاعل مع الحيوانات والتعرف على البيئة القطرية. ومن جانب آخر، كانت الرؤية أيضاً أن يغطي المشروع تكاليف تشغيل المزرعة من رعاية الحيوانات والزراعة والعمالة، وأن يكون مشروعاً مستداماً يخدم المجتمع ويضيف قيمة حقيقية للقطاع السياحي والزراعي في الدولة.
ما أبرز التحديات التي واجهتكم خلال تأسيس المشروع، وكيف تمكنتم من تجاوزها؟
من أبرز التحديات التي واجهتنا في بداية المشروع أن فكرة السياحة الزراعية كانت جديدة على المجتمع القطري، ولم يكن هناك نموذج واضح سابق يمكن الاستفادة منه. لذلك كان هناك نوع من التخوف حول مدى تقبل الناس للفكرة، وهل سيزور الناس مزرعة كوجهة ترفيهية أم لا. إضافة إلى ذلك، كان تطوير المزرعة وتحويلها إلى وجهة سياحية يتطلب وقتاً وجهداً واستثماراً مستمراً. كما واجهنا تحديات تشغيلية تتعلق بتنظيم الزوار وتوفير تجربة متكاملة تجمع بين الترفيه والتعليم والزراعة. لكننا تجاوزنا هذه التحديات من خلال التطوير المستمر للمزرعة وإضافة أنشطة وتجارب جديدة في كل موسم، والاستماع لملاحظات الزوار والعمل على تحسين التجربة عاماً بعد عام. ومع مرور الوقت، بدأ المشروع يحقق انتشاراً واسعـــــاً، وأصبحت المزرعـــــــــة وجهة معروفة ومحببة للعائلات والزوار من داخل قطر وخارجها.
ما أبرز التحديات التي تواجه الزراعة في مناخ قطر، وكيف تعاملتم معها عمليًا داخل المزرعة؟
الزراعة في قطر تواجه تحديات كبيرة بسبب ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، خاصة خلال فصل الصيف. هذه الظروف تجعل زراعة العديد من المحاصيل أمراً صعباً، وتؤثر على استمرارية الإنتاج الزراعي. لذلك اعتمدنا على عدة حلول عملية، من أهمها التركيز على زراعة النباتات التي تتحمل البيئة القطرية مثل أشجار السدر والنخيل والنباتات المحلية. كما قمنا باستخدام البيوت المحمية لزراعة المحاصيل التي تحتاج إلى درجات حرارة أقل أو حماية من أشعة الشمس المباشرة، مثل بعض الخضروات التي يفضلها الزوار. بالإضافة إلى ذلك، تم استخدام أنظمة ري فعالة للحفاظ على المياه، وتنظيم مواعيد الزراعة حسب المواسم المناسبة. هذا التوازن ساعدنا على تحقيق استمرارية الإنتاج الزراعي رغم التحديات المناخية.
كيف توازنون بين الحفاظ على الموارد الطبيعية وتحقيق إنتاج اقتصادي مستدام؟
تحرص مزرعة سدرة الشمال على تحقيق التوازن بين الاستدامة البيئية والإنتاج الاقتصادي من خلال عدة ممارسات. من أبرز هذه الممارسات إعادة استخدام المواد في بناء المرافق داخل المزرعة، حيث تم استخدام أخشاب ومعادن تم شراؤها من مشاريع قديمة أو مقار شركات أغلقت أو مساكن عمال تم تفكيكها. هذا ساهم في تقليل الهدر وتقليل التكاليف في نفس الوقت. كما نستخدم السماد الطبيعي الناتج من الحيوانات داخل المزرعة في الزراعة، مما يعزز إعادة التدوير ويقلل من استخدام الأسمدة الكيميائية. كما نحرص على زراعة النباتات التي تتناسب مع البيئة المحلية لتقليل استهلاك المياه وتحقيق إنتاج مستدام. هذه الممارسات ساعدت المزرعة على الحفاظ على الموارد الطبيعية وتحقيق استدامة اقتصادية طويلة المدى.
كيف تساهم مزرعة سدرة في دعم الغطاء النباتي وزيادة المساحات الخضراء في قطر؟
تساهم مزرعة سدرة الشمال بشكل مباشر في دعم الغطاء النباتي وزيادة المساحات الخضراء في قطر من خلال التوسع المستمر في زراعة الأشجار والنباتات المحلية التي تتناسب مع البيئة القطرية. تضم المزرعة اليوم أكثر من 1500 شجرة من أنواع مختلفة، تشمل أشجار السدر بأنواعها، والنخيل، إضافة إلى الأشجار المحلية التي تتحمل الظروف المناخية في الدولة. كما تحتوي المزرعة على مساحات خضراء واسعة من العشب والنباتات المتنوعة، مما يسهم في تحسين جودة الهواء في المنطقة المحيطة وتلطيف الأجواء. كما نحرص على زيادة عدد الأشجار سنوياً والتوسع في المساحات المزروعة، مما يعزز الغطاء النباتي ويسهم في دعم البيئة الطبيعية في قطر، إلى جانب نشر الوعي بأهمية الزراعة والتشجير لدى الزوار.
ماهي برامج أو خطط الحفاظ على التنوع الحيوي داخل المزرعة؟
تحرص مزرعة سدرة الشمال على تعزيز التنوع الحيوي داخل المزرعة من خلال تنوع النباتات والأشجار والحيوانات في بيئة متكاملة. قمنا بزراعة العديد من الأشجار المحلية مثل أشجار السدر بأنواعها المختلفة، والنخيل، إضافة إلى النباتات العطرية مثل المشموم، والورقيات مثل الخس والجرجير والكيل. كما يتم زراعة الخضروات الموسمية مثل الخيار والفلفل والباذنجان والكوسة والجزر والبطاطا، والتي تتناسب مع البيئة القطرية. كما تضم المزرعة مجموعة متنوعة من الحيوانات، مما يخلق بيئة طبيعية متكاملة تعزز التنوع الحيوي. إضافة إلى ذلك، يتم استخدام السماد الطبيعي الناتج من الحيوانات في الزراعة، مما يعزز دورة بيئية مستدامة داخل المزرعة ويقلل من الاعتماد على الأسمدة الصناعية.

ما المعايير التي تعتمدونها لضمان سلامة الحيوانات وصحتها؟
تولي مزرعة سدرة الشمال اهتماماً كبيراً بصحة الحيوانات وسلامتها باعتبارها جزءاً أساسياً من تجربة الزوار. يتم إجراء زيارات بيطرية أسبوعية لمتابعة صحة الحيوانات، كما يتم إعداد ملف طبي خاص لكل حيوان يتضمن حالته الصحية والتطعيمات اللازمة والعلاجات الدورية. كما يتم توفير تغذية مناسبة لكل نوع من الحيوانات حسب احتياجاته الغذائية، مع الاهتمام بتنوع الغذاء للحفاظ على صحتها. بالإضافة إلى ذلك، يتم توفير أماكن مظللة لحماية الحيوانات من أشعة الشمس، واستخدام مرشات المياه خلال فصل الصيف لتقليل درجات الحرارة. كما يتم تنظيف أماكن الحيوانات بشكل يومي، ومراقبة حالتها الصحية باستمرار لضمان توفير بيئة صحية وآمنة لها.
كيف تسهم المزرعة في رفع الوعي البيئي لدى الزوار، خاصة الأطفال؟
تسهم مزرعة سدرة الشمال في رفع الوعي البيئي من خلال تقديم تجارب تعليمية تفاعلية للزوار، خاصة الأطفال. يتم تعريف الأطفال بأهمية الزراعة والمحافظة على البيئة من خلال أنشطة عملية داخل المزرعة. كما نتعاون مع مبادرات محلية مثل مبادرة “غرسة”، التي كانت شريكاً أساسياً منذ افتتاح المزرعة في عام 2017. ومن أبرز المبادرات التي تم تنفيذها، مبادرة زراعة البطاطا، حيث يقوم الأطفال بزراعة البذور بأنفسهم، ثم يعودون بعد عدة أشهر لحصادها، مما يعزز لديهم مفهوم الزراعة والاستدامة. هذه التجارب تزرع في الأطفال قيمة الاهتمام بالبيئة وتعزز لديهم مفهوم أن الزراعة تحتاج إلى صبر وعناية حتى يتم جني ثمارها.
هل تقدمون برامج تعليمية أو ورش عمل مرتبطة بالزراعة والاستدامة؟
نعم، تقدم مزرعة سدرة الشمال برامج تعليمية وورش عمل بشكل دوري تتعلق بالزراعة والاستدامة البيئية. كما تستقبل المزرعة زيارات المدارس بشكل منتظم، حيث يتم استقبال ما يقارب 2000 إلى 2500 طالب سنوياً. خلال هذه الزيارات، يتم تقديم برامج تعليمية حول الزراعة، ورعاية النباتات، والتعرف على الحيوانات، وأهمية الحفاظ على البيئة. كما يتم تنظيم ورش عمل تفاعلية للأطفال لتعريفهم بأساسيات الزراعة وكيفية زراعة النباتات والاعتناء بها. هذه البرامج التعليمية تساهم في نشر الوعي البيئي وتعزيز ثقافة الزراعة لدى الأجيال القادمة.
كيف نجحتم في تحويل المزرعة إلى وجهة تجمع بين الزراعة والسياحة والتعليم؟
نجحت مزرعة سدرة الشمال في تحويل المزرعة إلى وجهة تجمع بين الزراعة والسياحة والتعليم من خلال تقديم تجربة متكاملة للزوار. حيث يمكن للزائر الاستمتاع بالطبيعة والمساحات الخضراء، والتفاعل مع الحيوانات، والمشاركة في الأنشطة الزراعية مثل قطف المحاصيل. كما تم تطوير المزرعة لتكون بيئة تعليمية تفاعلية، حيث يتعلم الزائر عن الزراعة والبيئة والتراث القطري بطريقة عملية. هذا الدمج بين التعليم والترفيه والزراعة جعل المزرعة وجهة سياحية تعليمية مميزة في قطر، ومقصداً للعائلات والمدارس والزوار من داخل وخارج الدولة.
ما خططكم المستقبلية لتطوير مزرعة سدرة وتعزيز دورها البيئي؟
تسعى مزرعة سدرة الشمال إلى تطوير دورها البيئي من خلال التوسع في استخدام الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية، لتقليل استهلاك الطاقة التقليدية. كما نعمل على زيادة برامج إعادة التدوير داخل المزرعة، والاستفادة من الموارد المتاحة بشكل مستدام. إضافة إلى ذلك، نخطط لزيادة المساحات الخضراء وزراعة المزيد من الأشجار المحلية، وتطوير البرامج التعليمية والتوعوية للزوار. كما نطمح إلى إدخال تقنيات زراعية حديثة تدعم الاستدامة.
كيف ترون مستقبل الزراعة المستدامة في قطر خلال السنوات القادمة؟
نرى أن مستقبل الزراعة المستدامة في قطر واعد جداً، خاصة مع الدعم المستمر الذي تقدمه الدولة للمزارع المحلية. هذا الدعم يسهم في تطوير القطاع الزراعي وزيادة الإنتاج المحلي. كما أن التوجه نحو تحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي يعزز أهمية الزراعة المستدامة في الدولة.
وفي ختام هذا اللقاء ما النصيحة التي توجهها للشباب القطري؟
أنصح الشباب القطري بالتوجه نحو المشاريع التي يحبونها والعمل على تطويرها، لأن الشغف هو أساس النجاح والاستمرارية. كما أن القطاع الزراعي والمشاريع المستدامة تمثل فرصة واعدة للشباب للمساهمة في خدمة المجتمع وتحقيق نجاح اقتصادي في الوقت نفسه. كما أشجع الشباب على الابتكار والتفكير في مشاريع جديدة تخدم البيئة والمجتمع، والاستفادة من الدعم الذي تقدمه الدولة للمشاريع الوطنية.

وبهذا تؤكد تجربة مزرعة سدرة الشمال أن المشروعات الزراعية يمكن أن تتجاوز حدود الإنتاج التقليدي، لتصبح مساحة تجمع بين الاستدامة والتوعية والترفيه في آن واحد. فمن فكرة عائلية بسيطة، استطاعت المزرعة أن تقدم نموذجًا محليًا يربط الناس بالطبيعة، ويقربهم من قيمة الزراعة والحياة الريفية، ويعزز في الوقت نفسه الوعي البيئي لدى الزوار، خاصة الأجيال الجديدة.

مواضيع ذات صلة

اترك تعليق