تشهد القضايا البيئية اليوم حضوراُ متزايداُ في النقاشات الأكاديمية والمجتمعية، ولم تعد مجرد ملف علمي أو تقني يخص المختصين وحدهم، بل أصبحت قضية متصلة مباشرة بحياة الإنسان وصحته وإنتاجه واستقراره الاجتماعي والاقتصادي. وفي هذا السياق، ترى د. لارا الحديد، الأستاذة بجامعة قطر، أن الوعي البيئي في المجتمع القطري يشهد تطوراُ واضحاُ ومتنامياُ، مدفوعاُ بالجهود التعليمية والإعلامية، وبحضور أكبر لمفاهيم الاستدامة في المدارس والجامعات ومختلف المنصات التوعوية.
وتؤكد د. لارا أن ما تلاحظه من خلال عملها الأكاديمي هو أن كل جيل جديد يصل إلى المرحلة الجامعية يحمل قدراُ أكبر من المعرفة والإدراك بأهمية الحفاظ على البيئة، سواء على مستوى الدولة أو على المستوى العالمي. وهذا التطور في الوعي لا يرتبط فقط بزيادة المعلومات، بل يعكس أيضاُ فهماُ أعمق للمستقبل البيئي، ولخطورة التدهور الذي يمكن أن يطال الموارد والطبيعة والحياة الإنسانية إذا غاب الوعي أو ضعفت الممارسة.
وترى أن أهمية تناول القضايا البيئية لا ينبغي أن تقتصر على المنظور العلمي فقط، لأن البيئة، في جوهرها، تمثل الإطار الذي يعيش فيه الإنسان ويتفاعل داخله. فسلامة البيئة أو تدهورها ينعكسان مباشرة على طبيعة الحياة الاجتماعية للأفراد، وعلى شكل العلاقات داخل المجتمع، وعلى الصحة والإنتاجية والعمل. ولذلك، فإن التفاعل الإنساني في بيئة ملوثة يختلف تماماُ عن التفاعل في بيئة سليمة وصحية. ومن هنا، يصبح الحديث عن البيئة حديثاُ عن التعليم والصحة والعمل والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، لا عن الطبيعة وحدها. ولهذا تؤكد د. لارا أن فلسفة التنمية المستدامة جاءت أصلاُ من هذا الفهم؛ إذ لا قيمة لتحسن الأوضاع الاجتماعية أو لمعدلات النمو الاقتصادي إذا كان الواقع البيئي متدهوراُ، لأن الإنسان هو هدف التنمية وأداتها في الوقت نفسه.
وفي ما يتعلق بدور الجامعات، تشدد د. لارا الحديد على أن مؤسسات التعليم العالي مطالبة بترسيخ ثقافة الاستدامة لدى الشباب من خلال دمج مفاهيمها في المناهج والتخصصات المختلفة. فكل تخصص، من وجهة نظرها، يرتبط بشكل أو بآخر بقضايا الاستدامة، ولهذا ينبغي أن يتضمن التعليم الجامعي منظوراُ واضحاُ يربط المعرفة الأكاديمية بالأبعاد البيئية والاجتماعية والاقتصادية. فالطالب الذي يتخرج من الجامعة سيدخل سوق العمل، وسيكـــون جزءاُ من مؤسسات الدولة والمجتمع، ومن المهم أن يكون مؤهلاُ لفهم أثر القضايا البيئية على حياة الأفراد وإنتاجية المؤسسات ونجاح التنمية. وعندما يُعد الطالب على هذا الأساس، فإنه يصبح أكثر قدرة على الإضافة داخل بيئة العمل بصورة تراعي مبادئ الاستدامة والبيئة السليمة.
وتؤكد د. لارا أن المجتمع القطري أصبح بالفعل أكثر اهتماماُ بالقضايا البيئية مقارنة بالسنوات الماضية، وترى أن هذا التحسن يعود إلى تكامل عدة عوامل، في مقدمتها التعليم المدرسي والجامعي، إلى جانب الإعلام بمختلف أشكاله المرئية والمسموعة والمقروءة. فهذه الأدوات كلها باتت تركز بشكل أكبر على أهمية الحد من التلوث، وعلى ضرورة ترشيد الاستهلاك والحفاظ على الموارد. كما تلفت إلى أن الأطفال الذين يتلقون هذا الوعي في المدرسة سيصبحون في المستقبل آباءً وأمهات أكثر إدراكاُ لخطورة القضايا البيئية، وهو ما سينعكس بدوره على أساليب تنشئة الأجيال القادمة. وبهذا المعنى، فإن الوعي البيئي لا يتوقف عند حدود الفرد، بل يتحول إلى عملية تراكمية تنتقل من جيل إلى آخر.
غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات اجتماعية، ولعل من أبرزها، بحسب د. لارا، سلوك الاستهلاك التفاخري. فهذا النمط من الاستهلاك لا يقوم على تلبية الاحتياجات بقدر ما يقوم على الرغبة في الظهور الاجتماعي والتفاخر والمباهاة، وهو ما يجعله سلوكاُ يتعارض مع قيم الاستدامة، بل ومع القيم الدينية والاجتماعية الأصيلة أيضاُ. وترى أن الخطورة لا تكمن فقط في وجود هذا السلوك، بل في تسويقه على أنه شكل من أشكال الرقي أو المكانة الاجتماعية، بينما هو في حقيقته يخدم منطق الشركات الكبرى التي تدفع نحو مزيد من الاستهلاك لتحقيق مصالحها الاقتصادية. ومن هنا، تؤكد أن السبيل الأساسي لمواجهة هذه القيم السلبية يتمثل في نشر الوعي عبر الأسرة، والتعليم، والإعلام، وبناء منظومة قيمية تشجع على الاعتدال والرشاد في التعامل مع الموارد.
وفي حديثها عن كيفية تحويل الوعي البيئي من مجرد معرفة إلى ممارسة يومية، تربط د. لارا ذلك بضرورة إحاطة الإنسان بمنظومة من المعايير والقيم الإيجابية التي تدفعه إلى احترام البيئة والحفاظ عليها. وهي ترى أن القيم الإسلامية الأصيلة تقدم أساساُ قوياُ في هذا المجال، لأنها تحث على عدم الهدر، وعلى الحفاظ على الموارد، وعلى النظر إلى النعم باعتبارها أمانة يجب صونها لا استنزافها. وتوضح أن قضايا التنمية المستدامة برزت عالمياُ بقوة مع نهاية الثمانينيات، لكن جوهر هذه الفلسفة كان حاضراُ منذ زمن بعيد في التوجيهات الإسلامية التي دعت إلى الاقتصاد في استخدام الموارد، وعدم الإفساد في الأرض. ولهذا، فإن المدرسة ووسائل الإعلام يمكن أن تؤديا دوراُ فعالاُ في إعادة ترسيخ هذه القيم وتعميقها، حتى تصبح المحافظة على البيئة جزءاُ من السلوك اليومي للفرد.
وتمنح د. لارا الأسرة دوراُ محورياُ في بناء السلوك البيئي لدى الأطفال والناشئة، مؤكدة أن المدرسة وحدها لا تكفي، كما أن الجامعة وحدها لا تكفي أيضاُ. فحين ينشأ الطفل داخل أسرة واعية تمارس بالفعل قيماُ مثل عدم هدر المياه والطاقة والطعام، واحترام الموارد، فإنه يكوّن قناعات مبكرة يصعب اقتلاعها لاحقاُ. ومن هنا، فإن وجود أسرة واعية يؤدي بالضرورة إلى وجود جيل أكثر وعياُ، ويجعل مقاومة السلوكيات السلبية أكثر سهولة وفاعلية.
وفي ما يتعلق بإدماج مفاهيم الاستدامة في التعليم، تؤكد أن البيئة هي المكان الذي يعيش فيه الإنسان، وإذا كان هذا المكان سليماُ وصحياُ، فإنه ينعكس مباشرة على الإنتاجية، والمشاركة المجتمعية، ونجاح عملية التنمية. ولهذا ترى أن ترسيخ هذه المفاهيم يجب أن يتم من خلال العملية التربوية والتعليمية، وأيضاُ من خلال المحاضرات والدورات والورش في المؤسسات وبيئات العمل. وهي تضرب أمثلة عملية على ذلك، مثل التوعية بأهمية ترشيد الطاقة، وعدم ترك أجهزة التكييف والإنارة تعمل دون حاجة، والاهتمام بالصيانة، وتقليل استنزاف المياه، واستخدام الطاقة الشمسية حيثما أمكن. وتؤكد أن تحقيق نقلة نوعية في مجال الاستدامة لن يتم إلا إذا تغيرت توجهات المجتمع بأكمله نحو السلوك الإيجابي، لأن مسؤولية تعميق مفاهيم الاستدامة لا تقع على الدولة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تشترك فيها المؤسسات التعليمية والإعلامية والقطاعان العام والخاص وأفراد المجتمع جميعاُ.
كما تمنح د. لارا الإعلام مكانة خاصة في تشكيل اتجاهات المجتمع نحو القضايا البيئية، وترى أنه أصبح اليوم من أقــــوى مؤسســــــات التنشئة الاجتماعية تأثيراُ، خصوصاُ لدى الشباب. فوسائل الإعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي صارت المرجعية الأولى لكثير من الفئات، وإذا أحسن استخدامها في نشر القيم الإيجابية المتعلقة بالبيئة والتنمية المستدامة، فإن أثرها سيكون بالغاُ في ترسيخ السلوكيات السليمة. وهي ترى أن الإعلام قد يكون أداة خطرة إذا روّج لقيم استهلاكية سلبية، لكنه يمكن أن يكون أداة بالغة الفاعلية إذا استثمر لنشر الوعي البيئي وتعزيز السلوك المسؤول.
وفي السياق نفسه، تؤكد أهمية المجلات والمنصات الإعلامية البيئية المتخصصة، لأن دورها لا يقتصر على النشر العام، بل يمتد إلى التحديث المستمر للمعلومات والبيانات وتحديد المشكلات البيئية بدقة، بما يشبه “جرس الإنذار المبكر” الذي ينبه المجتمع وصناع القرار إلى مواضع الخلل والتحديات القائمة. فالمعلومة البيئية المتخصصة، كما تقول، هي المدخل الأساسي لبناء الحلول وإطلاق المبادرات والمشروعات الملائمة لمواجهة المشكلات، سواء تعلقت بالبيئة البحرية أو بالتلوث أو بالتشجير أو باستنزاف الموارد.
وفي حديثها عن المسؤولية الفردية، ترى د. لارا أن تعزيزها يتطلب فتح المجال أمام المبادرات المجتمعية، وتشجيع مشروعات إعادة التدوير، وتوفير الدعم للمشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تعمل في هذا المجال. وهي تؤكد أن جهود الدولة في الاستدامة كبيرة وواضحة، لكن نجاحها الكامل يتطلب مشاركة القطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، والجمعيات، والمراكز، والهيئات الأهلية، بل وحتى المجموعات الطلابية وروابط الخريجين. ومن خلال هذا التضافر يمكن إطلاق مبادرات في التشجير، والحفاظ على البيئة، وزراعة المساحات المفتوحة، وإنشاء أحزمة خضراء، واستثمار وعي الجيل الجديد ومعارفه في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
وتحدد د. لارا عدداُ من القيم الأساسية التي ينبغي تعزيزها مجتمعياُ لدعم مستقبل أكثر استدامة، وفي مقدمتها الترشيد، وإعادة التدوير، وتقليل الهدر، سواء في المياه أو الطاقة أو الطعام أو الإنفاق الأسري والشخصي. كما تؤكد أهمية تشجيع ثقافة الإصلاح والصيانة بدلاُ من الرمي والاستبدال السريع، والتوجه إلى المنتجات القابلة لإعادة التدوير، وتعليم الأطفال منذ سن مبكرة أهمية الموارد، خاصة المياه باعتبارها مورداُ نادراُ في دولة تعتمد على التحلية. وهي ترى أن العالم اليوم يواجه أخطاراُ متزايدة تتعلق بالطاقة والمياه والغذاء، ما يجعل صيانة الموارد وترشيد استخدامها قضية ملحة وليست اختياراُ هامشياُ.
وللطلبة الراغبين في الإسهام في العمل البيئي والمجتمعي، توجه د. لارا نصيحة واضحة مفادها ألا ييأسوا من طرح المبادرات والأفكار الجديدة. فهي ترى أن طلبة الجامعة هم الفئة الأكثر قدرة على الإسهام في نهضة المجتمع، لأنهم قوة العمل القادمة، ولأنهم يحملون الحماس وروح الانتماء والمواطنة. ولهذا، فإن المبادرة وعدم الخوف من البداية يمثلان مدخلاُ مهماُ لأي مشروع إيجابي يخدم الوطن والمجتمع.
أما عن مستقبل الوعي البيئي في قطر، فترى د. لارا أنه يتجه نحو نقلة نوعية في السنوات المقبلة، في ظل اتساع دائرة الوعي، وتصاعد التحديات العالمية، وما تفرضه من ضرورة أكبر لترشيد الاستهلاك والاعتماد على الذات. وتربط هذا المستقبل أيضاُ بقضايا الأمن الغذائي، والإنتاج المحلي، والزراعة، مؤكدة أن ما تلاحظه من خلال تدريس مادة التنمية المستدامة في جامعة قطر على مدار سنوات هو وجود قبول متزايد لدى الطالبات لمفاهيم مثل الزراعة المنزلية، والاعتماد على المنتج المحلي، وربط هذه السلوكيات بالأمن الغذائي والسيادة الوطنية. وتوضح أن القضايا البيئية لم تعد منفصلة عن القضايا الاقتصادية والسياسية، لأن الدول التي لا تحقق أمناُ غذائياُ ومالياُ تصبح أكثر عرضة للهيمنة والضعف. ومن هنا، فإن الحفاظ على الموارد لا يمثل فقط سلوكاُ بيئياُ سليماُ، بل هو أيضاُ تعبير عن الانتماء الحقيقي للوطن، وعن الوعي بأن الموارد ليست ملكاُ للجيل الحالي وحده، بل هي حق للأجيال القادمة أيضاُ.
وفي المحصلة، تقدم د. لارا الحديد رؤية متكاملة تؤكد أن البيئة ليست ملفاُ منفصلاُ عن المجتمع، بل هي شرط أساسي لصحة الإنسان واستقرار التنمية واستمرار التقدم. وبين التعليم والأسرة والإعلام والمبادرات المجتمعية، يتضح أن بناء الوعي البيئي ليس مهمة مؤسسة واحدة، بل مشروع جماعي طويل المدى، يبدأ من القناعة وينتهي بالممارسة، ويصنع في النهاية مجتمعاُ أكثر وعياُ وقدرة على حماية مستقبله.
الاستاذة بجامعة قطرد.لارا الحديد “الوعي البيئي سلوك مجتمعي يبدأ من الأسرة ويترسخ بالتعليم

