البلاستيك في قطر بين التحديات البيئية والحلول التنظيمية

لم يعد البلاستيك مجرد مادة تستخدم في الحياة اليومية بل أصبح واحداً من أكثر الملفات البيئية إلحاحاً على مستوى العالم لما يخلفه من آثار ممتدة على البر والبحر وصحة الإنسان وفي قطر يبرز هذا التحدي ضمن سياق أوسع يرتبط بالنمو العمراني والاستهلاك المرتفع والحاجة إلى تطوير أنماط إنتاج واستهلاك أكثر استدامة خاصة في ما يتعلق بالبلاستيك أحادي الاستعمال الذي يتحول سريعاً إلى عبء بيئي إذا لم يدار بكفاءة وتؤكد الاستراتيجية الوطنية للبيئة والتغير المناخي أن إدارة النفايات والاقتصاد الدائري من الأولويات الرئيسة مع التركيز على تحديث البنية التحتية وتحسين تتبع البيانات ورفع كفاءة استخدام المواد.
وتتمثل أبرز التحديات في أن النفايات البلاستيكية وخصوصاً الأكياس والعبوات ذات الاستخدام الواحد تظل من أكثر المخلفات انتشاراً في الحياة اليومية وهي من المواد التي تحتاج فترات طويلة للتحلل ما يضاعف من أثرها على البيئة إذا انتهى بها المطاف في المكبات أو في المناطق المفتوحة أو في البحر كما أن سوء إدارة البلاستيك يهدد التنوع الحيوي ويزيد الضغط على الأنظمة البيئية الساحلية والبرية وهو ما جعل الحد من هذا النوع من المخلفات جزءاً من الخطاب البيئي الرسمي والجهود التوعوية والتنظيمية في الدولة.
وفي مواجهة هذا التحدي اتخذت قطر خطوة تنظيمية مهمة بإصدار القرار الوزاري رقم (143) لسنة 2022 بشأن ضوابط استعمال الأكياس البلاستيكية والذي حظر على المؤسسات والشركات ومراكز التسوق استخدام الأكياس البلاستيكية أحادية الاستعمال اعتباراً من 15 نوفمبر 2022 كما نصت الضوابط على التوسع في البدائل مثل الأكياس القابلة لإعادة الاستخدام أو القابلة للتحلل أو القابلة لإعادة التدوير مع اشتراط وضع رموز توضح نوع الكيس وتصنيفه بما يدعم التطبيق العملي ويقلل من الالتباس لدى المستهلكين والجهات التجارية.
ولم تقف المعالجة عند حدود القرار التنظيمي بل رافقته حملات توعية ولقاءات تعريفية وورش عمل استهدفت المجمعات التجارية والفنادق والشركات والمصانع إضافة إلى حملات تفتيشية للتأكد من الالتزام بالتطبيق كما واصلت الجهات المختصة في السنوات التالية استثمار المناسبات البيئية مثل اليوم العالمي الخالي من الأكياس البلاستيكية لتعزيز ثقافة البدائل الصديقة للبيئة وتشجيع الجمهور على تغيير سلوك الاستهلاك اليومي وهذا يعكس إدراكاً مؤسسياً بأن نجاح أي تنظيم بيئي لا يتحقق بالعقوبات والقرارات فقط بل يحتاج أيضاً إلى وعي مجتمعي واسع ومشاركة من القطاع الخاص والمستهلكين.
وفي الإطار الأوسع تتحرك قطر نحو مقاربة أكثر شمولاً تقوم على الاقتصاد الدائري وتقليل النفايات عند المصدر لا الاكتفاء بالتعامل معها بعد تراكمها وتشير المصادر الرسمية إلى تفعيل البرنامج الوطني المتكامل لفرز النفايات من المصدر وتوزيع حاويات الفرز في المناطق السكنية وفق جداول مرحلية بالتوازي مع تطوير البنية التحتية لمعالجة النفايات وإعادة التدوير ومن ذلك الدور الذي يؤديه مركز إدارة النفايات الصلبة المنزلية في مسيعيد في دعم الاستدامة وتعزيز ثقافة التدوير.
ومع ذلك تبقى القضية أكبر من مجرد منع منتج بعينه لأن التحدي الحقيقي يكمن في إعادة تشكيل العلاقة اليومية مع المواد البلاستيكية سواء في التسوق أو التغليف أو الاستهلاك المنزلي أو المؤسسي فكل تقدم تنظيمي يحتاج إلى ما يسانده من التزام صناعي بتطوير بدائل مناسبة ومن سلوك فردي يقلل الاعتماد على المنتجات قصيرة العمر ومن منظومة فرز وجمع وإعادة تدوير أكثر كفاءة ومن هنا تبدو تجربة قطر في تنظيم الأكياس البلاستيكية خطوة مهمة لكنها أيضاً بداية لمسار أطول عنوانه: تقليل الاستهلاك غير الضروري وتحويل النفايات إلى مورد وبناء ثقافة بيئية تجعل الاستدامة ممارسة يومية لا شعاراً موسمياً.

مواضيع ذات صلة

اترك تعليق